المرأة المغدورة ..

30 08 2009

بسم الله الرحمن الرحيم

بعد أن قرات تدوينه الأخ صبري موازين ليست بالموازين تذكرت امرأة كنت أعرفها منذ سنوات .. بل إني حتى هذه الأيام أفكر بها كثيرًا ..

كانت بالنّسبة لي كأم وأخت وصديقة، بالرغم من أنها تكبرني بعدّة سنوات ..

كانت تسكن  في منزل متهالك وهو ملحق لمسجد في نفس الحي الذي أسكن فيه، وهي مصرية الجنسية، تزوجت رجل مصري الجنسيّة لكنه عاش معظم حياته في السّعودية، ودرس وتخرج من جامعاتها، وللأسف بسبب جنسيّته لم يجد عملًا في نفس التخصص الذي درس فيه (أظن تخصصه كان عقيدة أو شريعة إسلامية) .

تكفلت هذه المرأة بدفع مصروفات المنزل .. لم تكن تقبل الصدقات من أحد، فنفسها العزيزة أبت أن تأخذ مالًا بلا عمل، فكانت تبحث عن عمل هنا وهناك .. فوجدت أنها تستطيع إعطاء دروس خصوصية للطالبات، وكنتُ كلما سالت صديقاتي عن مدرّسة خصوصية أدلهن عليها .. كانت الدّروس الخصوصية منتشرة في مدرستي الثّانوية، حتى أنني لم أسمع بمصطلح “دروس خصوصية” إلا منها، ولو سألت معظم الطالبات تجد أنها تأخذ دروس خصوصية في مادّة أو في شتّى المواد.

المشكلة أن زوجها لم يوافق لها على العمل إلا لو قامت بإعطائه نصف ما تجنيه من مال، فوافقت مرغمة على ذلك لكي تطعم أطفالها.

بل ومن شدّة طيبتها كانت عندما تشتري لأطفالها الهدايا .. تقول أنها من والدهم، حتى تحبب الأطفال إلى أبيهم.

كنتُ وما زلت أحب تلك المرأة كثيرًا .. صحيح أنني أملك الكثير من الصديقات، لكن هي الوحيدة التي استطاعت الوصول إلى قلبي، حتى إنها تعرف عني أكثر من والدتي نفسها !

وحتى أبناءها الصغار الأربعة كانوا بمثابة الأخوة بالنسبة لي .. وكنتُ الأخت الكبرى بالنسبة لهم .. لا أفرق بينهم وبين أخوتي بالدم !

من المواقف الطريفة التي أتذكرها .. في إحدى المرّات وعندما انشغلت هي في بعض الأمور، طلب منّي أبناءها اللعب معهم، فوافقت.  وعندما كنّا نجري في أرجاء المنزل رأيتُ بعض الملاءات القديمة مرمية في الطابق السّفلي، ورجح الأطفال عندما سالتهم بأنها لجيرانهم الذين كانوا يعيشون في الأسفل، ولكنهم انتقلوا. نظرت حولي فوجدت حبلًا طويلًا، أخذته وبدأت أربطه على السّلم.  سألني الأطفال عن سبب فعلتي فقلت لهم سترون !

عندما تأكدّتُ من أن الحبل مربوط بإحكام رجعتُ للخلف وأنا ممسكة بالحبل وقفزتُ من الطابق الثاني للطابق الأسفل وأصرخ مثل طرزان (صدق أو لا تصدق ! كنتُ في الثانوية وقتها) وبدأ الأطفال بتقليدي وعندها حدثت جلبة، فسمعاتها .. عرفت أنها قادمة سارعت بالهرب (متمثلة بمقولة: إن لم تكن شجاعًا فعليك بامتلاك ساقين!) ونجى منهم من نجى وضرب منهم من ضرب .. والحمد لله لم يشتكي أحد علي 😛

للأسف زوجها لا يسمح لهم بالخروج للتنزه أو لزيارة الجيران إلا بشق الأنفس .. كان يحبسهم في المنزل، ويخرج هو في الليل لأماكن لا يعلمها إلا الله .. وكانت تقول لي دائمًا أنه يذهب لزيارة أصدقائه .. أو أنه يبحث عن عمل هنا وهناك. حتى أنه لا يسمح لها بزيارة أقاربها في مصر منذ زواجهما (ولو كان بمالها الخاص) ..

وفي أحد المرّات حدثت لدينا مناسبة في منزلنا، فدعوتها للحضور، وقد وافق لها أن تأتي لزيارتي بعد إلحاح شديد. كانت هذه المرّة الأولى التي تزور منزلنا.  كنتُ في المطبخ وقتها ولم أستقبلها حال وصولها، وعندما دخلتُ غرفة الضيوف وجدتها تجلس في الزاوية وابنتها من خلفها، سلمتُ عليها وسألتها ابنتها لما لا تلعب مع باقي الأطفال .. فلم تجب .. نظرت إلى الزهرة في ثيابها فأخبرتها بأنها جميلة جدًا .. عندها قالت لي أمها أنها لم تجد ثياب نظيفة لتأتي بها فقامت بأخذ ملابس قديمة لم تعد تناسبها وأضافت عليها بعض الملاءات القديمة أيضًا ! (أظن أن معظم من يقرأ كلامي هذا لم يسمع مثله إلا في التلفاز) .. لاحظتُ خجل الطفلة، فبادرت بمدح ثيابها وأنها جميلة، وكانت جميلة عليها بالفعل .. فخف خجلها وانسحبت شيئًا فشيئًا حتى بدأت تلعب مع الأطفال الآخرين. وعندما جاء وقت البوفيه الخجل هذا قد طال الأم وأصبحت تنظر من بعيد منتظرة حتى ينتهي الآخرين، ربما كانت خجلة لأنها لم تحتك بأناس -غير اللاتي تدرسهم- منذ سنوات. أحضرتُ لها طبقًا مملوء بالطعام ولم تكد تتفوه بإعجابها بالطعام حتى اتصل عليها زوجها طالبًا منها العودة .. فتركت طبقها وهمت بالخروج، قلتُ لها أن تتناول طعامها أو أقوم بتغليفه لها فلم توافق لأنها اعتبرته نوعًا من الصدقة .. أخبرتها أننا نقسم البوفيه مع كل الضيوف، يأخذون جزء منه حال خروجهم لأننا لا نستطيع أكله كلّه (لا أدري إن كان ذلك صحيحًا ؟) ترددت قليلًا، ولكنها لم توافق.

حدثت بعدها الكثير من الأحداث الجميلة والمضحكة والمبكية .. منها عندما زارتها أمي،  والموقف المضحك الذي حصل .. كنت أتمنى أن أكتب عنها، لكن لا أريد أن أطيل أكثر من ذلك، فما زال للأحداث بقية !

فقد اتصلت علي في يوم من الأيام، وقالت أن زوجها قد وافق على زيارة أهلها في مصر.وأنها سعيدة لأنها ستراهم أخيرًا خاصة أخوها الذي كانت تحبه وتعتبره كصديق وأخ قبل زواجها.

زرتها بعد عودتها من هناك .. كنتُ أتخيل وجهها وهو سعيد وتخبرني بمغامراتها التي حدثت هناك .. لكن كان حالها عكس ذلك .. فقد عادت وحالتها أسوأ من قبل !

أخبرتني أن أهلها قد تغيروا عن ما كانوا عليه من قبل -كيف ذلك وهي لم تزرهم منذ حوال الـ 6 سنوات- واستقبالهم لها كان باردًا جدًا،  بل وقد قالت لي بأن وقتها هناك لم يكن كأي إجازة عادية .. أو في بيت أهلها .. فقد كان زوجها يحضر كل يوم أصدقاءه وأهله في الفندق الذي يسكنون فيه. وكانت كل يوم تطبخ لهم وبدون أن يساعدها أي أحد من أهله .. كان يعاملها كالخادمة والمضيفة لهم .. وتعمل من أجل راحتهم من الصباح الباكر حتى آخر الليل وتنام وهي منهكة .. وعندما اتصلت على أخوها الصديق .. لم يهتم لأمرها، حتى أنه لم يستقبلها  حال وصولها، بل زارها بعد أيام !

مرت الأيام بعد ذلك .. وانشغلت بعدها بدراستي الجامعيّة، ولم أسمع عن أخبارها إلا بعض محادثاتنا القصيرة التي كنّا نجريها على الهاتف في فترات متقطعة ..

إلا وتفاجئني إحدى صديقاتي التي تأخذ عندها دروس خصوصية بأن زوجها قد تزوج عليها !

تفاجأت من قولها .. وهي تفاجأت أيضًا بعدم معرفتي بالرغم من أنها تعرف ما بيننا من معزّة.

اتصلت عليها .. وكان الرقم لا يجيب .. اتصلت على صديقتي وأخبرتني أن جوالها قد فقد وأن رقمها قد تغير..

وعندما قمنا بالاتصال عليها .. أخبرتني بما حدث، وأنها لم تتمكن من الاتصال لأنها لا تعرف من أين تأخذ رقمي الذي كان موجودًا على جوالها القديم.

كانت قد أخبرتني من قبل أن زوجها قد وجد عملًا في الرّياض، وأنه يذهب إلى هناك لبضعة أيام من الأسبوع .. لكن ذلك لم يكن صحيحًا فقد تزوج زوجها صديقتها (كنتُ قد أخبرتها في يوم من الأيام أني لا أنسجم مع السّوريات، لكنها أخبرتني أنها تعرف سوريّة طيبة جدًا، وأنها أصبحت صديقتها، وهي كانت زوجة للصديق المتوفي لزوجها) تلك هي من تزوجها زوجها .. حتى أنها عندما كانت تتصل على صديقتها السّورية  لم تخبرها بنبأ زواجهم والذي كان منذ مدّة طويلة، لكنها اكتشفت ذلك مصادفة !

( صعب أن تغدر من شريك حياتك وصديقك في نفس الوقت !)

عندها لم تستحمل .. وطلبت الطلاق والسفر إلى أهلها (فهي لا تعرف غيرهم)، فوافق بصعوبة وبعد ما بهدلها .. واشترط إنها تسافر بدون رجعه .. وبدون ما تاخذ أولادها معها!

هي لم تستحمل ذلك الشرط .. فاعتذرت منه وأنها ستكون مطيعة له ولن تخالفه في شيئ .. كان هذا مجرد خطة لتستطيع الهرب مع أولادها !

كان آخر اتصال لها .. أخبرتنا أنها في الماطار .. وأنها في طريقها لمصر مع أولادها

ومنذ ذلك الحين لم أسمع عنها أي خبر .. كان هذا منذ سنة ونصف تقريبًا ..

حسبي الله على الظالم القاسي .. إن ما أخذ جزاته في الدنيا .. راح ياخذ جزاته في الآخرة بإذنه -سبحانه وتعالى- الذي لا يخفى عليه خافية.

اللهم يسر لها أحوالها .. وفرج عنها كربتها .. وأجعلها آمنة مطمئنة .. سعيدة بين أهلها وأبنائها وأجعلهم قرة عينها .